ابن خلدون

199

تاريخ ابن خلدون

وافتتحوا بيت المقدس وأسروا ملكها يومئذ من اليهود وهو ارستبلوس بن الإسكندر ثامن ملوك بنى حشمناى وغربوه إلى رومة وولوا قائدهم على الشأم ثم حاربوا الغماس فكانت حربهم معهم سجالا إلى أن خرج بولس بن غايش ومعه ابن عمه لوجيار بن مدكة إلى جهة الأندلس وحارب من كان بها من الإفرنج والجلالقة إلى أن ملك برطانية واشبونة ورجع إلى رومة واستخلف على الأندلس اكتبيان بن أخيه يونان فلما وصل إلى رومة وشعر الوزراء أنه يروم الاستبداد عليهم فقتلوه فزحف اكتبيان ابن أخيه من الأندلس فأخذ بثاره وملك رومة واستولى على أرض قسطنطينية وفارس وإفريقية والأندلس وعمه يولش هو الذي تسمى قيصر فصار سمة لملوكهم من بعده وأصل هذا الاسم جاشر فعربته العرب إلى قيصر ولفظ جاشر مشترك عندهم فيقال جاشر للشعر وزعموا أن يولش ولد شعره تام يبلغ عينيه ويقال أيضا للمشقوق جاشر وزعموا أن قيصر ماتت أمه وهي مقرب فبقر بطنها واستخرج يولش والأول أصح وأقرب إلى الصواب وكانت مدة يولش قيصر خمس سنين ولما ولى قيصر اكتبيان بن أخته انفرد بملك الناحية الشمالية من الأرض ووفد عليه رسل الملوك بالمشرق يرغبون في ولايته ويضرعون إليه في السلم فأسعفهم ودانت له أقطار الأرض وضرب الإتاوة على أهل الآفاق من الصغر وكان العامل على اليهود بالشأم من قبله هيردوش بن انظفتر وعلى مصر ابنه غايش وولد المسيح لثنتين وأربعين سنة خلت من ملكه وهلك قيصر اكتبيان لست وخمسين من ملكه بعد سبعمائة وخمسين سنة لبناء رومة وخمسة آلاف ومائتين لمبدأ الخليقة انتهى كلام هروشيوش وأما ابن العميد مؤرخ النصارى فذكر عن مبدأ هؤلاء القياصرة أن أمر رومة كان راجعا إلى الشيوخ الذين يدبرون أمرهم وكانوا ثلاثمائة وعشرين رجلا لأنهم كانوا حلفوا أن لا يولوا عليهم ملكا فكان تدبيرهم يرجع إلى هؤلاء وكانوا يقدمون واحدا منهم ويسمونه الشيخ وانتهى تدبيرهم في ذلك الزمان إلى اغانيوس فدبرهم أربع سنين وهو الذي سمى قيصر لان أمه ماتت وهو جنين في بطنها فبقروا بطنها وأخرجوه ولما كبر انتهت إليه رياسة هؤلاء الشيوخ برومة أربع سنين ثم ولى من بعده يوليوش قيصر ثلاث سنين ثم ولى من بعده أوغشطش قيصر بن مرنوخس قال ويقال ان أوغشطش قيصر كان أحد قواد الشيخ مدبر رومة وتوجه بالعساكر لفتح المغرب والأندلس ففتحهما وعاد إلى رومة فملك عليهم وطرد الشيخ من رياسته بها وتدبيره ووافقته الناس على ذلك وكان للشيخ نائب بناحية المشرق يقال له فمقيوس فلما بلغه ذلك زحف بعساكره إلى رومة فخرج إليه أوغشطش فهزمه وقتله واستولى على ناحية المشرق وسير عساكره إلى فتح مصر مع قائدين من قواده وهما أنطونيوس ومترداب ملك الأرمن بدمشق فتوجها